منتـــديات مدرستي
 
الرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 عائد الى حيفا 7 (تكملة)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
قمر الزمان
مشرف على المنتدى
مشرف على المنتدى


عدد الرسائل : 289
العمر : 23
تاريخ التسجيل : 30/08/2008

مُساهمةموضوع: عائد الى حيفا 7 (تكملة)   الجمعة نوفمبر 07, 2008 1:16 pm

وظل فارس حتى منتصف الليل جالساً هناك، ينظر الى شقيقه بدر يبتسم في الصورة ، مليئاً بالشباب والعنفوان ، تحت ذلك الوشاح الاسود ، كما كان يفعل طوال عشرين سنة ، وحين قام ليعود سأل ان كان يستطيع استرداد الصورة ، وقال الرجل:
- "طبعاً تستطيع . انه شقيقك بعد كل شيء وقبل اي شيء اخر".

وقام فأنزل الصورة عن الجدار ، وبدا المكان الذي خلفته الصورة وراءها مستطيلاً باهتاً من البياض الذي لا معنى له ، والذي يشبه فراغاُ مقلقاً .

وحمل فارس الصورة معه الى السيارة ، وعاد الى رام الله وكان طوال الطريق ينظر اليها متكئة الى جانبه على المقعد ، ويطل منها بدر وهو يبتسم تلك الابتسامة الشابة المشرقة، وقد ظل يفعل ذلك حتى اجتاز القدس ، وصار على الطريق المتجه نحو رام الله ، وعندها فقط انتابه شعور مفاجيء بأنه لا يملك الحق في الاحتفاظ بتلك الصورة ، ولم يستطيع ان يفسر الامر لنفسه، الا انه طلب من السائق العودة الى يافا ، ووصلها في الصباح .

صعد السلم مرة اخرى بخطى بطيئة وقرع الباب وقال له الرجل وهو يتناول الصورة منه :

- "شعرت بفراغ مروع حين نظرت الى ذلك المستطيل الذي خلفته على الحائط . وقد بكت زوجتي ، واصيب طفلاي بذهول ادهشني . لقد ندمت لانني سمحت لك باسترداد الصورة ، ففي نهاية المطاف هذا الرجل لنا نحن . عشنا معه وعاش معنا وصار جزءاً منا . وفي الليل قلت لزوجتي انه كان يتعين عليكم ، ان اردتم استرداده ، ان تستردوا البيت ، ويافا ، ونحن ... الصورة لا تحل مشكلتكم ، ولكنها بالنسبة لنا جسركم الينا وجسرنا اليكم" .
وعاد فارس وحده الى رام الله ، وقال سعيد س . لزوجته:
- "فارس اللبدة ، لو تعرفين ..".

وهمس بصوت لا يكاد يسمع :
- "انه يحمل السلاح الان".


وعلى الطريق هدر صوت محرك ، ودخلت ميريام الى الغرفة ووجهها يعلوه اصفرار مفاجيء ، كانت الساعة قد قاربت منتصف الليل ، وتقدمت العجوز القصيرة بخطى بطيئة نحو النافذة ، فأزاحت الستائر برفق ، ثم اعلنت بصوت مرتجف :

- " ها هو دوف . لقد جاء!".

جاءت الخطوات على الدرج شابة ، ولكنها متعبة ، وتتبعها (سعيد س.) واحدة بعد الاخرى وهي تصعد السلم منذ ان استمع ، واعصابه مشدودة ، الى صوت البوابة الحديدية تصطفق ثم تنغلق بالمزلاج.

وامتدت اللحظات طويلة يكاد صمتها يضج بطنين جنوني لا يحتمل . ثم سمع صوت المفتاح يعالج الباب ، وعندها فقط نظر نحو ميريام ورأى – للمرة الاولى – انها جالسة هناك ، مصفرة الوجه وترتجف . ولم يكن لديه مقدار من الشجاعة يكفى للنظر الى صفية ، فثبت عينيه ناحية الباب مستشعراً العرق يتفصد بقوة من جميع خلايا جسده دفعة واحدة .

وكانت اصوات الخطوات في الممر مكتومة ومحتارة بعض الشيء ، ثم جاء صوت متردد ، نصف عال ، ينادي : "ماما".

وارتجفت ميريام قليلاً ، وأخذت تفرك راحتيها ، فيما استمع سعيد س. الى زوجته ، تشرق بدمعها بصوت لا يكاد يسمع . وفي الخارج توقفت الخطوات قليلاً وكأنها تنتظر شيئاً ، ثم جاء الصوت نفسه مرة اخرى ، وحين صمت اخذت ميريام تترجم بصوت مرتجف هامس:
- "انه يسأل لماذا أنا في الصالون حتى هذه الساعة المتأخرة ؟".

وعادت الخطوات تتجه نحو الغرفة ، وكان الباب موارباً ، وقالت ميريام بالانكليزية :


- " تعال يا دوف ، يوجد ضيوف يرغبون برؤيتك ".

وانفتح الباب بشيء من البطء ، ولاول وهلة لم يصدق ، فقد كان الضوء عند الباب باهتاً ، ولكن الرجل الطويل القامة خطا الى الامام . كان يلبس بزة عسكرية ، ويحمل قبعته بيده.

وقفز سعيد واقفاً كأن تياراً كهربائياً قذفه عن المقعد ، ونظر نحو ميريام وهو يقول بصوت متوتر :

- "هذه هي المفاجأة ؟ اهذه هي المفاجأة التي اردت منا انتظارها ؟".

واستدارت صفية نحو النافذة ، تخفي وجهها براحتيها وتنشج بصوت مسموع .

اما الرجل الطويل القامة فقد ظل مسمراً امام الباب ، ينقل بصره نحو الثلاثة محتاراً ، وعندها فقط قامت (ميريام) ، وقالت للشاب بهدوء مفتعل وبطيء :

- " اريد ان اقدم لك والديك ... والديك الاصليين" .

وخطا الشاب الطويل القامة خطوة بطيئة الى الامام ، وتغير لونه فجأة وبدا انه فقد ثقته بنفسه دفعة واحدة . ثم نظر الى بزته وعاد ينظر الى سعيد ، الذي كان واقفاً ما يزال امامه يحدق اليه . وأخيراً قال الشاب بصوت خفيض :

- " أنا لا أعرف أماً غيرك ، أما أبي فقـد قتل في سـيناء قبل 11 سنه ، ولا اعرف غيركما ".

وعاد سعيد الى الوراء خطوتين ، ثم جلس مكانه وأخذ راحة صفيه بين يديه ، وادهشه – بينه وبين نفسه – كيف استطاع ان يسترد هدوءه بهذه السرعة . ولو قال له اي انسان قبل خمس دقائق فقط انه سيكون جالساً هناك بمثل هذا الهدوء لما صدقه ، أما الان فقد تغير كل شيء .

ومضت لحظات بطيئة ، كان كل شيء فيها ساكناً تماماً . ثم اخذ الشاب الطويل القامة يخطو ببطء : ثلاث خطوات نحو الباب ثم عودة نحو وسط الغرفة . وضع قبعته على الطاولة ، وبدت قرب المزهرية الخشبية وريش الطاووس فيها شيئاً غير مناسب ، والى حد ما مضحكاً . وفجأة انتاب سعيد شعور غريب بأنه ما زال يشاهد مسرحية معدة سلفاً بدقة ، وتذكر مشاهد درامية مفتعلة في افلام رخيصة تستدر توتراً تافهاً .

وتقدم الشاب من ميريام ، وأخذ يقول لها بصوت اراد منه أن يكون قاطعاً ونهائياً ومسموعاً تماما :

- " وماذا جاءا يفعلان ؟ لا تقولي انهما يريدان استرجاعي !".

وقالت ميريام بصوت مماثل :
- " اسألهما ".

واستدار كقطعة خشب ، كأنه ينفذ امراً ، وسأل سعيد :

-" ماذا تريد يا سيدي ؟".

وظل سعيد محتفظاً بهدوئه الذي بدا له لحظتذاك مجرد قشرة رقيقة تخفي لهباً كامناً ، وبصوت خفيض قال :

- " لاشيء . لا شيء .. انه مجرد فضول ، كما تعلم ".

وخيم صمت مفاجيء ، فيما ارتفع صوت صفيه بالنشيج وكأنه صادر من مقاعد متفرج هش التأثر . ونقل الشاب بصره مرة اخرى : من سعيد الى ميريام ثم الى قبعته المتكئة على المزهرية ، وارتد الى الوراء كأن شيئاً دفعه بقوة نحو المقعد المجاور لميريام ،وجلس فيه وهو يقول :

- " لا . ذلك شيء مستحيل ، لا يصدق ..".

وسأل سعيد ، بهدوئه المفاجيء :

- " أنت في الجيش ؟ من تحارب ؟ لماذا ؟".

وانتفض الشاب واقفاً فجأة :

- " ليس من حقك ان تسأل هذه الاسئلة . انت على الجانب الاخر ".

- "انا ؟ انا على الجانب الاخر ".

وضحك بقوة ، وشعر بأنه عبر تلك القهقهة العالية كان يدفع بكل ما في صدره من اسى وتوتر وخوف وفجيعة الى الخارج ، ورغب فجأة في ان يظل يقهقه ويقهقه حتى ينقلب العالم كله ، او ينام ، او يموت ، او يندفع خارجاً الى سيارته ، الا الا ان الشاب قاطعه بحدة :

- " لست ارى سبباً للضحك ".

- "أنا ارى ".

وضحك لفترة قصيرة فحسب ، ثم صمت كما تفجر ، واتكأ على مقعده مستشعراً تجدد الهدوء ، واخذ يبحث في جيبه عن سيكارة . وامتد الصمت طويلاً الا ان صفية ، التي عادت فهدأت نفسها سألت بصوت خفيض : " الا تشعر بأننا والداك ؟".

ولم يعرف احد لمن كان السؤال . فلا شك ان ميريام لم تفهم ، ولا الشاب الطويل القامة . اما سعيد فلم يرد : كان قد انهى سيكارته في تلك اللحظة فقام الى الطاولة ليطفئها واضطر – كي لا يفعل ذلك – ان يزحزح القبعة من مكانها ، وفعل ذلك وهو يبتسم بسخرية ، ثم عاد الى مكانه وجلس .

وعندها قال الشاب ، وقد تغير صوته تماماً :

- " دعونا نتحدث كأناس متحضرين".

واخذ سعيد يضحك مرة اخرى ، ثم قال :

- " أنت تريد ان تفاوض ... اليس كذلك ؟ كنت تقول انك ، او انني ، في الجهة الاخرى .. ماذا حدث ؟ هل تريد ان نفاوض ام ماذا؟".


وسألته صفيه مستثارة :

- "ماذا قال ؟".

- " لا شيء ".
-
وعاد الشاب فوقف ، واخذ يتحدث وكأنه حضر تلك الجمل منذ فترة طويلة :

-" انا لم اعرف ان ميريام وايفرات ليسا والدي الا قبل ثلاث او اربع سنوات . منذ صغري وانا يهودي . اذهب الى الكنيس والى المدرسة اليهودية واكل الكوشير وادرس العبرية . وحين قالا لي – بعد ذلك – ان والدي الاصليين هما عربيان ، لم يتغير اي شيء . لا ، لم يتغير . ذلك شيئ مؤكد .. ان الانسان هو في نهاية الامر قضية ".

- " من قال ذلك ؟".

- " قال ماذا ؟".

- "من الذي قال ان الانسان هو قضيه ؟".

- " لا اعرف ، لا اذكر .. لماذا تسأل ؟".

- لمجرد الفضول ، الصحيح لمجرد ان ذلك بالضبط ما كان يدور في بالي هذه اللحظة .

- " ان الانسان هو قضية؟".

- " بالضبط ".

- " اذن لماذا جئت تبحث عني ؟".

- " لست ادري . ربما لانني لم اكن اعرف ذلك ، او كي أتأكد منه اكثر . لست ادري ، على اي حال لماذا لا تكمل ؟".

وعاد الشاب الطويل القامة يمشي وهو يعقد كفيه وراء ظهره : ثلاث خطوات نحو الباب وثلاث خطوات نحو الطاولة . لقد بدا تلك اللحظة وكأنه حفظ عن ظهر قلب درساً طويلاً ، وانه حين قوطع في وسطه ، لم يعد يعرف كيف يكمله ، وهو يسترجع صامتاً ، في رأسه ، الجزء الاول كي يصير بوسعه المتابعة ، وفجأة قال :

- " بعد ان عرفت انكما عربيان كنت دائماً اتساءل بيني وبين نفسي : كيف يستطيع الاب والام ان يتركا ابنهما وهو في شهره الخامس ويهربان ؟ وكيف يستطيع من هو ليس امه وليس اباه ان يحتضناه ويربياه عشـرين سـنه ؟ عشـرين سنه ؟ اتريد ان تقول شيئاً يا سيدي ؟".

- " لا".
قال سعيد باختصار حاسم ، واشار له بيده كي يتابع :

- " انني في قوات الاحتياط الان ، لم يقدر لي خوض معركة مباشرة الى الان لاصف لك شعوري ، ولكن ربما في المستقبل استطيع ان اؤكد لك مجدداً ما سأقوله الان : انني انتمي الى هنا ، وهذه السيدة هي امي ، وانتما لا اعرفكما ولا اشعر ازاءكما بأي شعور خاص ".

- " لا حاجة لتصف لي شعورك فيما بعد ، فقد تكون معركتك الاولى مع فدائي اسمه خالد ، وخالد هو ابني ، ارجو ان تلاحظ انني لم اقل انه اخوك ، فالانسان كما قلت قضيه ، وفي الاسبوع الماضي التحق خالد بالفدائيين ... اتعرف لماذا اسميناه خالد ولم نسمه خلدون ؟ لاننا كنا نتوقع العثور عليك ، ولو بعد عشرين سنة ، ولكن ذلك لم يحدث . لم نعثر عليك .. ولا اعتقد اننا سنعثر عليك ".

ونهض سعيد س . متثاقلاً . الان فقط شعر انه متعب ، وانه هدر عمره بصورة عابثة . وساقه هذا الشعور الى كابة لم يكن يتوقعها ، واحس بأنه على وشك ان يبكي ، فقد كان يعرف انه كذب ، وان خالداً لم يلتحق بالفدائيين . وفي الواقع كان هو الذي منعه . بل مضى ذات يوم الى حد تهديده بالتبرؤ منه ان هو عصا ارادته والتحق بالمقاومة . وبدت له الايام القليلة الماضية مجرد كابوس انتهى على صورة مفزعة ، اهو نفسه الذي كان قبل ايام يهدد ابنه خالد بالتبرؤ من ابوته له ؟ اي عالم عجيب لا يصدق . الان لا يجد شيئاً ليدافع به عن نفسه امام تبرؤ هذا الشاب الطويل القامة من بنوته له الا افتخاره بأبوته لخالد ، خالد نفسه الذي حال دونه ودون الالتحاق بالفدائيين بذلك السوط التافه الذي كان يسميه الابوة ! من يدري ، فربما اقتنص خالد الفرصة اثناء وجوده هو في حيفا فهرب ... اه لو فعل ! كم سيكون من المخيب لكل قيم هذا الوجود ان هو عاد الى اليبت فوجد خالد بانتظاره !.

مشى سعيد خطوتين واخذ ، مره اخرى ، يعد ريشات الطاووس الخمس التي كانت في المزهرية الخشبية ، ولاول مره منذ دخل الشاب الطويل القامة الى الغرفة ، نظر الى ميريام ، وببطء قال لها :

-" انه يتساءل كيف يترك الاب والام ابنهما الرضيع في السرير ويهربان ... انت يا سيدتي لم تقولي له الحقيقة ، وحين رويتها له كان الوقت قد مضى ، انحن الذين تركناه ؟ انحن الذين قتلنا ذلك الطفل قرب كنيسة بيت لحم في الهادار ؟ الطفل الذي كانت جثته ، كما قلت لنا ، اول شيء صدمك في هذا العالم الذي يسحق العدل بحقارة كل يوم .. ربما كان ذلك الطفل هو خلدو ! ربما كان ذلك الشيء الصغير الذي مات ذلك اليوم التعيس خلدون... بل إنه خلدون ، وانت كذبت علينا أنه خلدون ، وقد مات ، وهذا ليس الا طفلا يتيما عثرت عليه في بولونيا ، او انكلترا".

كان الشاب طويل القامه ينكفئ على نفسه كشيء محطوم في كرسيه ، وقال سعيد لنفسه :
-" لقد فقدناه ، ولكنه بلا ريب فقد نفسه بعد هذا كله ، ولن يكون ابدا كما كان قبل ساعة " وأعطاه هذا الاعتقاد شعورا غامضا بارتياح لا يفسر ، وذلك كان ما دفعه نحو الكرسي الذي كان الشاب طويل القامة جالسا فيه ، ووقف امامه وقال :
-" الانسان في نهاية المطاف قضية ، هكذا قلت ، وهذا هو الصحيح ، ولكن أية قضية ؟ هذا هو السؤال ! فكر جيدا . خالد هو ايضا قضية ، ليس لأنه ابني ، ففي الواقع ... دع تلك التفاصيل ، على أية حال ، جانبا... إننا حين نقف مع الإنسان فذلك شيء لا علاقة له بالدم واللحم وتذاكر الهوية وجوازات السفر ... هل تستطيع أن تفهم ذلك ؟ حسنا ، دعنا نتصور أنك استقبلتنا –كما حلمنا وهما عشرين سنة- بالعناق والقبل والدموع ... أكان ذلك قد غير شيئا؟ إذا قبلتنا أنت ، فهل نقبلك نحن؟ ليكن اسمك خلدون أو دوف او اسماعيل او اي شيء آخر ...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
عائد الى حيفا 7 (تكملة)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات مدرستي :: ( المنتدى الأدبي ) :: المنتدى الإبداعي-
انتقل الى: