منتـــديات مدرستي
 
الرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 عائد الى حيفا 6 (تكملة)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
قمر الزمان
مشرف على المنتدى
مشرف على المنتدى


عدد الرسائل : 289
العمر : 23
تاريخ التسجيل : 30/08/2008

مُساهمةموضوع: عائد الى حيفا 6 (تكملة)   الجمعة نوفمبر 07, 2008 1:14 pm

وصمتت وهي تعض قليلا على شفتيها وتنظر نحو سعيد الذي أحس ببدنه يرتجف للحظة وكأن تيارا كهربائيا مسه . "مثل أبيه !" وفجاءة سأل نفسه : " ما هي الأبوة ؟" وكان مثل من فتح مصراعي شباك إعصار غير متوقع . فأخذ رأسه بين راحتيه وحاول أن يوقف ذلك الدوران المجنون للسؤال الذي كان كامنا في مكان ما من عقله طوال عشرين سنة ، دون أن يجرؤ على مواجهته ، أما صفية فقد أخذت تربت على كتفه ، لقد فهمت بصورة غريبة >لك الارتطام الذي لا يصدق ، والذي يمكن للكلمات أحيانا أن تفعله على حين فجأة ، ثم قالت:
-" أنظر من الذي يتحدث ! إنها تقول (مثل أبيه)! وكأن لخلدون أبا غيرك !".

إلا أن ميريام تقدمت الى الأمام ، ووقفت معدة نفسها لتقول شيئا صعبا . ثم ببطء أخذت تنتزع تلك الكلمات التي تبدو وكأن يدا ما تنتشلها من أعماق بئر محشو بالغبار :
-" إسمع يا سيد سعيد . أريد أن أقول لك شيئا مهما ولذلك أردتك أن تنتظر دوف ، أو خلدون إن شئت ، كي تتحدثا . وكي ينتهي الأمر كما تريد له الطبيعة أن ينتهي ، أتعتقد أن الأمر لم يكن مشكلة لي كما كان مشكلة لك ؟ طوال السنوات العشرين الماضية وأنا محتارة ، والآن دعنا ننتهي من كل شيء . أنا أعرف أبوه ، وأعرف أيضا أنه ابننا ، ومع ذلك لندعه يقرر بنفسه ، لندعه يختار . لقد أصبح شابا راشدا ، وعلينا نحن الإثنين أن نعترف بأنه هو وحده صاحب الحق في أن يختار ... أتوافق؟".

وقام سعيد عن مقعده واخذ يدور في انحاء الغرفة ثم وقف امام الطاولة المنقوشة بالصدف وسط الغرفة واخذ ، مرة أخرى ، يعد ريشات الطاووس في المزهرية الخشبية الجاثمة هناك ، الا انه لم يقل شيئاً . وظل صامتاً كأنه لم يسمع حرفاً . وكانت ميريام تنظر اليه متحفزة ، واخيراً التفت الى صفية وشرح لها ما قالته ميريام ، فقامت من مكانها ووقفت الى جانبه ، ثم قالت بصوت مرتجف:

- "ذلك خيار عادل ... وانا واثقة ان خلدون سيختار والديه الحقيقيين . لا يمكن ان يتنكر لنداء الدم واللحم ".

وفجأة أخذ سعيد يضحك بكل قوته ، وكانت ضحكته تعبق بمرارة عميقة تشبه الخيبة :

- " أي خلدون يا صفية ؟ أي خلدون ؟ اي لحم ودم تتحدثين عنهما ؟ وأنت تقولين أنه خيار عادل ! لقد علموه عشرين سنه كيف يكون . يوماً يوماً ، ساعة ساعة ، مع الاكل والشرب والفراش .. ثم تقولين : خيار عادل ! ان خلدون ، أو دوف ، أو الشيطان ان شئت ، لا يعرفنا! أتريدين رأيي ؟ لنخرج من هنا ولنعد الى الماضي . انتهى الامر . سرقوه".

ونظر نحو صفية التي تهاوت في مقعدها وقد تلقت للمرة الاولى حقيقة الامر دفعة واحدة ، وبدأ لها كلام زوجها صحيحاً تماماً ، الا انها ظلت تحاول التعلق بخيوط غير مرئية لامال بنتها في وهمها عشرين سنة كنوع من الرشوة . وعاد زوجها يقول لها :

- "ربما كان لا يعرف على الاطلاق انه ولد من أبوين عربيين .. ربما عرف ذلك قبل شهر ، او اسبوع ، او سنة .. فماذا تعتقدين؟ انه مخدوع ، وقد يكون اكثر حماساً لها منهم .. لقد بدأت الجريمة قبل عشرين سنة ، ولا بد من دفع الثمن .. بدأت يوم تركناه هنا".

- "ولكننا لم نتركه. انت تعرف".

- "بلى. كان علينا الا نترك شيئاً . خلدون ، والمنزل، وحيفا! ألم ينتابك ذلك الشعور الرهيب الذي انتابني وأنا اسوق سيارتي في شوارع حيفا؟ كنت اشعر انني اعرفها وانها تنكرني. وجاءني الشعور ذاته وانا في البيت، هنا . هذا بيتنا! هل تتصورين ذلك؟ انه ينكرنا! . الا ينتابك هذا الشعور! انني اعتقد ان الامر نفسه سيحدث مع خلدون وسترين!".

وأخذت صفية تنشج ببؤس ، فيما مضت ميريام الى الخارج تاركة الغرفة التي ملأها فجأة توتر محسوس . وشعر سعيد بأن جميع الجدران التي عيش نفسه طوال عشرين سنة داخلها تكسرت وصار بوسعه ان يرى الاشياء اكثر وضوحاً وانتظر لحظات حتى خف نشيج صفية ، فاستدار نحوها وسألها :

- " اتعرفين ما حدث لفارس اللبدة ؟".
- " ابن اللبدة اياه؟ جارنا؟".

- " اجل ، جارنا في رام الله الذي سافر الى الكويت . اتعرفين ماذل حدث له حين زار قبل اسبوع واحد منزله في يافا؟".

- "هل ذهب الى يافا؟".

- "اجل. قبل اسبوع كما اعتقد، وقد استأجر سيارة من القدس اخذنه الى يافا . توجه فوراً الى العجمي ، كان يسكن قبل عشرين سنة في بيت من طابقين وراء المدرسة الارثودكسية في العجمي . تذكرين المدرسة؟ انها وراء مدرسة الفرير ، وانت ذاهبة الى الجبلية ، الى اليسار وبعدها بمئتي متر مدرسة الارثوذكس على اليمين ، ولها ملعب كبير ، وبعد الملعب يوجد مفرق ، وفي منتصف الزقاق كان فارس اللبدة يسكن مع عائلته. كان يغلي غضباً يومها، فأمر السائق بالوقوف امام المنزل وصعد السلم درجتين درجتين ودق على باب منزله"..

كان الوقت عصراً ، وكانت يافا – فيما عدا المنشية - ما زالت على حالها، كما كان فارس اللبدة يعرفها قبل عشرين سنة . وشعر ان اللحظات القليلة التي مضت بين قرع الباب وبين سماعه لخطوات رجل قادم ليفتحه قد امتدت دهوراً من الغضب والحزن العاجز الكسيح. واخيراً انفتح الباب ، ومد الرجل الطويل القامة ، الاسمر والذي كان يلبس قميصاً ابيض مفتوح الازرار، مد يده ليصافح القادم الذي لا يعرفه . الا ان فارس تجاهل الراحة الممدودة ، وقال بالهدوء الذي يحمل كل معنى الغضب :
- "جئت القي نظرة على بيتي . هذا المكان الذي تسكنه هو بيتي انا، ووجودك فيه مهزلة محزنة ستنتهي ذات يوم بقوة السلاح . تستطيع ان شئت ، ان تطلق علي الرصاص هذه اللحظة، ولكنه بيتي، وقد انتظرت عشرين سنة لاعود اليه .. واذا...".

واخذ الرجل الواقف على عتبة الباب ، والذي كان ما يزال يمد راحته ، يضحك بقوة مقترباً من فارس اللبدة حتى صار امامه مباشرة ، وعندها تقدم بذراعين مفتوحتين نحوه واحتضنه..

- "لا حاجة لتصب غضبك علي ، فأنا عربي ايضاً وبافاوي مثلك، واعرفك. فأنت ابن اللبدة .. ادخل لنشرب القهوة!".

ودخل فارس مشدوهاً ، يكاد لا يصدق . وقد كان البيت هو نفسه ، بأثاثه وترتيبه والوان جدرانه واشيائه التي يذكرها جيداً . واقتاده الرجل نحو غرفة الجلوس دون ان يقدر على اخفاء ابتسامته العريضة وحين فتح بابها وطلب منه الدخول ، وقف فارس مسمراً ثم أخذت الدموع –فجأة- تظفر من عينيه!

كانت غرفة الجلوس على حالها ، كأنه تركها ذلك الصباح، تعبق فيها. نفس الرائحة التي كانت لها، رائحة البحر التي كانت دائماً تثير في راسه دوامات من عوالم مجهولة معدة للاقتحام والتحدي، ولكن ذلك لم يكن الشيء الذي سمره في مكانه ، فعلى الجدار المقابل ، المطلي بلون ابيض متوهج ، كانت صورة اخيه بدر ما تزال معلقة، وحدها في الغرفة كلها، وكان الشريط الاسود العريض الذي يمتد في زاويتها اليمنى ما زال كما كان.

وفجأة تدفق في الغرفة جو الحداد الذي كان ، واخذت الدموع تكر على وجنتي فارس وهو واقف هناك . تلك ايام قديمة ، الا انها تدفقت الان كأن البوابات التي كانت تحبسها قد انفتحت على مصاريعها:

كان اخوه بدر اول من حمل السلاح في منطقة العجمي في الاسبوع الاول من كانون الاول عام 1947 ، ومنذ ذاك تحول المنزل الى ملتقى للشبان الذين كانوا يملؤون ملعب الارثوذكسية انذاك بعد ظهر كل يوم. اما الان فقد تغير كل شيء، وانخرط بدر في القتال ، كأنه كان ينتظر ذلك اليوم منذ طفولته ، وفي السادس من نيسان عام 1948 جيء ببدر الى الدار محمولاً على اكتاف رفاقه، كان مسدسه ما زال في وسطه، اما بندقيته فقد تمزقت مع جسده بقذيفة تلقاها وهو على طريق تل الريش . وشيعت العجمي جثمان بدر كما يتوجب على الرفاق ان يشيعوا الشهيد. ثم جيء بصورته مكبرة ، وذهب رفيق من رفاقه الى شارع اسكندر عوض حيث كتب خطاط هناك كان اسمه ((قطب)) يافطة صغيرة تقول ان بدر اللبدة استشهد في سبيل تحرير الوطن . وحمل طفل ما تلك اليافطة في مقدمة الجنازة وحمل طفلان صورته ، وفي المساء اعيدت الصورة الي البيت ، وربط شريط الحداد الاسود على زاويتها اليمنى .

انه ما زال يذكر كيف رفعت امه كل الصور التي كانت معلقة على جدران غرفة الجلوس، وعلقت صورة بدر على الجدار الذي يقابل الباب. ومنذ تلك اللحظة فاحت في الغرفة رائحة الحداد الحزين ، وظل الناس يأتون فيجلسون في الغرفة وينظرون الى الصورة ويقدمون التعازي.

كان فارس، من المكان الذي يقف فيه، يستطيع ان يرى المسامير التي كانت تحمل صوراً اخرى قبل عشرين سنة تطل برؤوسها من الجدران العارية. وبدت له كأنها رجال يقفون بالانتظار ، امام تلك الصورة الكبيرة لاخيه الشهيد ، بدر اللبدة ، معلقة وحدها ، متشحة بالسواد، في صدر الغرفة .

وقال الرجل لفارس:

- "ادخل . اجلس في الداخل . دعنا نتحدث قليلاً . لقد انتظرناكم طويلاً ، وكنا نريد ان نراكم في مناسبة غير هذه ".

ودخل فارس ، كأنه يمشي عبر حلم لا يصدق ، وجلس في مقعد يواجه صورة شقيقه . تلك هي المرة الاولى التي يرى فيها صورة اخيه بدر منذ عشرين سنة ، فحين خرجـوا من يافا ( حملتهم الزوارق من منطقة تقع الى الشمال من شط الشباب، واتجهت نحو غزة ، الا ان اباه عاد فهاجر الى الاردن) لم يحملوا شيئاً معهم، ولا حتى صورة صغيرة لبدر الذي ظل هناك .

ولم يستطيع فارس ان ينطق الا بعد ان دخل طفلان الى الغرفة ، واخذا يركضان بين المقاعد ، ثم خرجا صاخبين كما دخلا، وقال الرجل:
- "انهما سعد وبدر . ابناي".
_ "بدر"؟
- "اجل سميناه على اسم اخيك الشهيد"..
- "والصورة؟".

ووقف الرجل وقد تغير وجهه ، ثم قال:
- "أنا من يافا . من سكان المنشية . وفي حرب 1948 هدمت قنابل المورتر بيتي. لست اريد ان اروي لك الان كيف سقطت يافا. وكيف انسحبوا ، اولئك الذين جاؤوا لينجدونا، لحظة المأزق. ذلك شيء راح الان.. المهم انني حين عدت مع المقاتلين الى المدينة المهجورة اعتقلونا. وامضيت فترة طويلة في المعتقل . ثم حين اطلقوني رفضت ان اغادر يافا، وقد عثرت على هذا البيت ، واستأجرته من الحكومة."

- "والصورة؟".

- "حين جئت الى البيت كانت الصورة اول شيء شاهدته وربما كنت استأجرت البيت بسببها . ذلك شيء معقد ولا استطيع ان اشرحه لك ، ولكن حين احتلوا يافا كانت مدينة شبه فارغة ، وبعد ان خرجت من السجن شعرت بأني محاصر . لم اشهد عربياً واحداً هنا . كنت وحدي جزيرة صغيرة معزولة في بحر مصطخب من العداء. ذلك العذاب لم تجربه انت، ولكن انا عشته.

وحين شهدت الصورة وجدت فيها سلوى . وجدت فيها رفيقاً يخاطبني ويتحادث الي يذكرني بأمور اعتز بها واعتبرها اروع ما في حياتنا . قررت عندها استئجار البيت، ففي ذلك الوقت – تماماً كما هو الامر الان- يبدو لي ان يكون الانسان مع رفيق له حمل السلاح ومات في سبيل الوطن شيئاً ثميناً لا يمكن الاستغناء عنه. ربما كان نوعاً من الوفاء لاولئك الذين قاتلوا . كنت اشعر انني لو تركته لكنت ارتكبت خيانة لا اغتفرها لنفسي . لقد ساعدني ذلك ليس على الرفض فقط، ولكن البقاء .. هكذا ظلت الصورة هنا . ظلت جزءاً من حياتنا ، انا وزوجتي لمياء وابني بدر وابني سعد وهو ... اخوك بدر ، عائلة واحدة ، عشنا عشرين سنة معاً . كان شيئاً مهماً بالنسبة لنا...".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
عائد الى حيفا 6 (تكملة)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات مدرستي :: ( المنتدى الأدبي ) :: المنتدى الإبداعي-
انتقل الى: