منتـــديات مدرستي
 
الرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 عائد الى حيفا 4 (تكملة)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
قمر الزمان
مشرف على المنتدى
مشرف على المنتدى


عدد الرسائل : 289
العمر : 23
تاريخ التسجيل : 30/08/2008

مُساهمةموضوع: عائد الى حيفا 4 (تكملة)   الجمعة نوفمبر 07, 2008 1:12 pm

وحاول أن يعدها وهو جالس مكانه إلا أنه لم يستطع ، فقام واقترب من المزهرية وأخذ يعدها واحدة واحدة ، كانت خمسة فقط .

وحين استدار عائدا إلى مكانه ، رأى أن الستائر قد تغيرت ،وأن تلك التي اشتغلتها صفية ، قبل عشرين سنة ، بالصنارة ، من الخيوط السكرية اللون ، قد اختفت من هناك ، واستبدلت بستائر ذات خطوط زرقاء متطاولة .

ثم وقع بصره على صفية ، فرآها محتارة ، تنقب بعينيها في زوايا الغرفة وكأنها تعد الأشياء التي تفتقدها ، وكانت المرأة السمينة العجوز تجلس أمامهما على ذراع أحد المقاعد ، تنظر إليهما وهي تبتسم ابتسامة لا معنى لها ، وأخيراً قالت دون أن تجعل تلك الابتسامة تفر:

- "منذ زمن طويل وأنا أتوقعكما ".

كانت لغتها الإنجليزية بطيئة ، وذات لكنه أقرب إلى الألمانية ، وتبدو ، إذ تتلفظ بها ، كما لو أنها تنتشل كلماتها من بئر غبار سحيقة الغور .

وانحنى سعيد إلى الأمام وسألها :

- "هل تعرفين من نحن ؟ ".

- وهزت رأسها بالإيجاب عدة مرات لتزيد الأمر الأمر تأكيداً ، وفكرت قليلاً كي تنتقي كلماتها ، ثم قالت ببطء :

- " أنتما أصحاب هذا البيت ، وأنا أعرف ذلك".

- " كيف تعرفين ؟ ".

جاء السؤال من سعيد وصفية في وقت واحد .

وزادت العجوز في ابتسامتها . ثم قالت :

- " من كل شيء . من الصور ، من الطريقة التي وقفتما بها أمام الباب . والصحيح أنه منذ انتهت الحرب جاء الكثيرون إلى هنا وأخذوا ينظرون إلى البيوت ويدخلونها ، وكنت أقول كل يوم أنكما ستأتيان لا شك ".

وفجاءة بدت محتارة ، وأخذت تنظر حواليها ، إلى الأشياء الموزعة في الغرفة وكأنها تراها لأول مرة ، ودون أن يقصد أخذ سعيد ينظر إلى حيث تنظر ، وينقل بصرة حيث تنقل بصرها ، وفعلت " صفية " الشيء ذاته ، وقال سعيد لنفسه :
" يا للغرابة ! ثلاثة أزواج من العيون تنظر إلى شيء واحد … ثم كم تراه مختلفا ! " .

وسمع صوت العجوز ، وقد صار الآن خافتا وأشد بطئا:
-" أنا آسفة ، ولكن ذلك كان ما . لم أفكر قط بالأمر كما هو الآن ".

وابتسم سعيد بمرارة ، ولم يعرف كيف يقول لها أنه لم يأت من أجل هذا ، وأنه لن يشرع في نقاش سياسي ، وأنه يعرف ان لا ذنب لها.
" لا ذنب لها ؟"
لا ، ليس بالضبط ! كيف يشرح لها ذلك ؟

إلا أن صفية وفرت عليه همه ، إذ سألت بصوت بدا بريئا بصورة مريبة ، فيما أخذ هو يترجم :
-" من أين جئت؟".
-" من بولونيا".
-" متى ؟".
-" في سنة 1948 ".
-" متى بالضبط؟".
-" أول آذار ، 1948".

وخيم صمت ثقيل ، وأخذوا جميعا ينظرون إلى حيث لم يكن من المهم لهم أن ينظروا ، وقطع سعيد الصمت قائلا بهدوء:
-" طبعا نحن لم نجيء لنقول لك أخرجي من هنا ، ذلك يحتاج إلى حرب…."

وشدت " صفية " على يده ، كي لا يمضي في الحديث فانتبه ، وعاد يحاول الكلام مقتربا من الموضوع:
-" أقصد أن وجودك هنا ، في هذا البيت ، بيتنا نحن ، بيتنا أنا وصفية ، هو موضوع آخر، جئنا فقط ننظر إلى الأشياء، هذه الأشياء لنا ، ربما كان بوسعك أن تفهمي ذلك".
فقالت بسرعة :
-" أفهم ، ولكن …."

وفجأة فقد أعصابه :
-" نعم ، ولكن ! .. هذه ال " لكن " الرهيبة ، المميتة ، الدامية …."

وسكت تحت وطأة نظرات زوجته، وشعر بأنه لن ينجح أبدا في الوصول إلى مقصده. ثمة ارتطام قدري لا يصدق ، وغير قابل للتجاهل ، وهذا الذي يجري هو مجرد حوار مستحيل .

وللحظة رغب في أن يقوم ويمضي ، فلم يعد يهمه أيما شيء . ليكن خلدون ميتا ، أو حيا، لا فرق ، فحين تصل الأمور إلى هنا فليس ثمة ما يمكن أن يقال . وانتابه غضب مهيض ومر ، وأحس أنه على وشك ان يتفجر من الداخل .
وليس يدري كيف سقط نظره على تلك الريشات الخمس من ذيل الطاووس التي كانت مزروعة في الإناء الخشبي وسط الغرفة ، ورآها تتحرك بألوانها الفذة الرائعة ، التي لا تصدق مع هبوب نسمة من الهواء دخلت من النافذة المفتوحة . وفجأة سئل بفظاظة وهو يشير إلى المزهرية :

- " كان هنا سبع ريشات ، ماذا حدث للريشتين المفقودتين؟".

ونظرت العجوز إلى حيث أشار ، وعادت فنظرت إليه متسائلة ، وكان ما يزال يمد ذراعه باتجاه المزهرية ويحدق فيها مطالبا بالجواب ، وكان الكون كله يقف على رأس لسانها . نهضت من مكانها واقتربت نحو المزهرية وأمسكتها كما لو أنها تفعل ذلك لأول مرة ، ثم قالت ببطء:
-" لست أدري أين ذهبت الريشتان اللتان تتحدث عنهما ، ذلك شيء لا أستطيع أن أتذكره ، ربما كان (دوف) قد لعب بهما وضيعهما بعد ذلك حين كان صغيرا".

-" دوف؟؟".

قالاها معا ، سعيد وصفية ، ووقفا وكأن الأرض قذفتهما إلى فوق ، وأخذا متوترين ، ينظران نحوها ، فمضت تقول:
-" أجل دوف ، ولست أدري ماذا كان اسمه ، وإن كان يهمك الأمر، فهو يشبهك كثيرا…."



الآن ، بعد ساعتين من حديث متقطع ، يمكن إعادة ترتيب الأمور من جديد : إذا ماذا حدث في تلك الأيام القليلة التي امتدت بين ليل الأربعاء ، 21 نيسان 1948 حين غادر (سعيد س) حيفا على متن زورق بريطاني دفع إليه دفعاً مع زوجته ، وقذفه بعد ساعة على شاطئ عكا الفضي ، وبين يوم الخميس 29 نيسان 1948 ، حين فتح رجل من الهاغاناه ، معه رجل عجوز له وجه يشبه الدجاجة ، باب منزل (سعيد س) في الحليصة ، ووسع الطريق أمام ( إفرات كوشن ) وزوجته ، القادمين من بولونيا ، ليدخلا إلى ما صار منذ ذلك اليوم منزلهما المستأجر من دائرة أملاك الغائبين في حيفا .

لقد وصل ( افرات كوشن ) إلى حيفا ، برعاية الوكالة اليهودية ، قادماً إليها مع زوجته من ميناء ( ميلانو ) الإيطالي في وقت مبكر من شهر آذار . كان قد غادر وارسو مع قافلة صغيرة في أوائل تشرين الثاني من عام 1947 ، وأسكن في منزل مؤقت يقع في ضواحي ذلك المرفأ الإيطالي الذي كان آنذاك يضج بحركة غير عادية ، وفي أوائل آذار نقل بحراً مع عدد من الرجال والنساء إلى حيفا .

كانت أوراقه معدة تماماً ، وحملته شاحنة صغيرة مع أشيائه القليلة عبر الميناء الصاخب ، المليء بالجنود البريطانيين والعمال العرب والبضائع ، عبر شوارع حيفا المتوترة ، والتي كانت تدوي فيها طلقات نارية متقطعة بين الفينة والأخرى ، إلى الهادار ، حيث أسكن في غرفة صغيرة من بناء مزدحم بالسكان .

وتبين ل ( أفرات كوشن ) بعد فترة ، أن جميع الغرف في البناء يشغلها مهاجرون جدد ، ينتظرون هناك نقلهم إلى أمكنة أخرى فيما بعد ، وليس يدري إن كانوا قد أطلقوا عليه اسم ( نزل المهاجرين ) وهم يلتقون كل ليلة لتناول العشاء ، أم أن ذلك الاسم كان معروفاً قبلهم ، وأنهم استعملوه فقط .

وربما كان قد نظر عدة مرات ، من شرفته إلى ( الحليصة )، إلا أنه لم يكن يعرف على الإطلاق ، أو حتى يخمن ، أنه سيجري إسكان هناك . وفي الواقع فإنه كان يعتقد أنه حينما تسوى الأمور فسينقل إلى بيت ريفي هادئ على سفح تله ما في الجليل : كان قد قرأ قصة ( لصوص في الليل ) لآرثر كوستلر حين كان في ميلان ، أعاره إياها رجل قادم من بريطانيا ليشرف على عملية التهجير ، وعاش فترة من الزمن في تلك التلال الجليلة التي جعلها ( كوستلر ) مسرحاً لروايته . وفي الحقيقة فإنه لم يكن ليعرف الكثير آنذاك عن فلسطين . وبالنسبة له كانت مجرد مسرح ملائم لأسطورة قديمة ، ما يزال يحتفظ بنفس الديكور الذي كان يراه مرسوماً في الكتب الدينية المسيحية الملونة المخصصة لقراءة الأطفال في أوروبا. إلا أنه بالطبع لم يكن يصدق تماماً أن تلك الأرض كانت مجرد صحراء أعادت الوكالة اليهودية اكتشافها بعد ألفي سنة . ومع ذلك فلم يكن هذا هو أكثر ما كان يهمه آنذاك ، وقد وضع في ذلك النزل ،وكان هناك شيء اسمه الإنتظار ، وقد اعتنقه هماً يومياً مثلما فعل بقية أولئك الذين كانوا معه .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
عائد الى حيفا 4 (تكملة)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات مدرستي :: ( المنتدى الأدبي ) :: المنتدى الإبداعي-
انتقل الى: